حيدر حب الله
379
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
جعل المتضادين والمتماثلين وهكذا ، كل ما في الأمر أنه منح الإنسان - اعتبارا - سبيلا يقينيا جديدا قد يخطئ وقد يصيب « 1 » . وبهذا تتمّ فلسفة الظنون في الدين ، وفق نظم تتسم في أصول الفقه بشيء من التعقيد . لكن هذه النظرية كسابقتها ، تناولتها أيدي النقد والمساءلة ، فسجلت عليها اعتراضات ، نوجز أنموذجا منها كما وعدنا : الاعتراض الأوّل : وهو الاعتراض الذي سجّله الشهيد محمد باقر الصدر ، حيث ذهب إلى أن هذا الكلام برمّته إنما هو تعديل في صياغة الحكم الذي يصدره المولى ، فالمشكلة لا تكمن في الصياغة والاعتبار ، إنما في الحقيقة والمبدأ ، فهذا الحكم الظاهري إن كانت مبادئه ومصالحه كامنة في فعل العبد عاد التنافي ، كيفما كانت صيغة اعتباره ، وإن لم تكن مبادئه ناشئة من فعل المكلّف الذي تعلّق به الحكم الواقعي زالت المشكلة مهما افترضنا الصياغة الجعلية « 2 » . وقد اعترض الخميني أيضا على هذه النظرية كما اعترض على نظرية المصلحة السلوكية ، فراجع « 3 » . الاعتراض الثاني : ما سجّله الشيخ المعاصر ناصر مكارم الشيرازي من أن اليقين أمر تكويني لا يقبل الجعل والاعتبار التشريعي ، فلا يمكن للمشرع أن يجعل ما ليس بيقين يقينا ، فما معنى اعتبار الظن علما سوى الإلزام بالعمل على وفق الظن وأخبار الآحاد مثلا ، والإلزام حكم تكليفي ، فكيف يمكن أن يلزمني المولى بصلاة الظهر التي دلّ على وجوبها خبر الواحد ، والحال أن الواجب هو الجمعة واقعا ، فيجتمع الضدّان « 4 » . النظرية الثالثة : نظرية التنجيز والتعذير تعرف هذه النظرية بنسبتها إلى الشيخ محمد كاظم الخراساني ( 1329 ه ) ، الأصولي الشيعي البارز في القرن الرابع عشر الهجري ، يذهب الخراساني إلى أن جعل الاعتبار والحجية للظن كخبر الواحد لا يعني تأسيس حكم إطلاقا حتى يكون هذا الحكم مضادا أو مماثلا للحكم الواقعي ، فإذا دلّ خبر الواحد على وجوب صلاة الظهر يوم
--> ( 1 ) - راجع : النائيني ، فوائد الأصول 3 : 105 - 110 ؛ والخوئي ، مصباح الأصول 2 : 104 - 106 ؛ وصنقور علي ، المعجم الأصولي : 713 - 714 . ( 2 ) - الصدر ، دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة 1 : 25 - 26 . ( 3 ) - الخميني ، تهذيب الأصول 2 : 382 - 383 . ( 4 ) - ناصر مكارم الشيرازي ، أنوار الأصول 2 : 308 - 309 .